فخر الدين الرازي
58
القضاء والقدر
الأول : إنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن ، كان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم اللّه جهلا . وهذا محال . ومستلزم المحال محال . فيلزم : أن يكون صدور الإيمان عنه محالا « 1 » . الثاني : إن وجود الإيمان ، يستحيل أن يحصل مع العلم بعدم الإيمان . لأنه إنما يكون علما ، لو كان مطابقا للمعلوم . والعلم بعدم الإيمان ، إنما يكون مطابقا لو حصل عدم الإيمان . فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان ، يلزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا . وهو محال . أنه تعالى لما علم منه عدم الإيمان كان وجود الإيمان منه محالا . ولو علم منه وجود الإيمان ، كان عدم الإيمان منه محالا . والثالث : إنه تعالى أخبر عن أقوام معينين : أنهم لا يؤمنون كقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا . سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ ، أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ « 2 » وقوله : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ . فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ « 3 » فهؤلاء الذين أخبر اللّه عنهم ، أنهم لا يؤمنون . لو آمنوا ، لانقلب خبر اللّه ، الصدق : كذبا ، وهذا محال والمؤدي إلى المحال محال . فوجب أن يكون صدور الإيمان منهم محالا . الرابع : إنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة : بالإيمان ، والإيمان يعتبر فيه تصديق اللّه في كل ما أخبر عنه . ومما أخبر عنهم : أنهم لا يؤمنون قط . فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط . وهذا تكليف بالجمع بين الضدين « 4 » . وذلك لا يوجد البتة ، ويمتنع وجوده . فثبت : أن هؤلاء الذين أخبر اللّه عنهم أنهم لا يؤمنون : يستحيل صدور
--> ( 1 ) علم اللّه بأن الكافر لا يؤمن يتناول الكافر المعين الذي يبقى على كفره إلى حين موته ويموت وهو على ذلك الكفر . وهذا العلم غير خاضع للأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل بل هو علم كلي شامل . أما صدور الإيمان من ذلك الكافر فإنه لا يعني عدم شمول العلم لذلك الانقلاب . بل إن ذلك داخل في علم اللّه تعالى بأن ذلك الكافر المعين سيؤمن في الوقت الفلاني . فليس من استحالة أو تناقض . أما استحالة التي ذكرها الرازي رحمه اللّه فهي استحالة أن يؤمن الكافر مع علم اللّه تعالى بأنه لا يؤمن ويموت على كفره . وهي استحالة لا تدخل في عالم التكليف الشرعي وإنما تتعلق بعالم الخلق والتكوين والإيجاد . ( 2 ) سورة البقرة الآية 6 . ( 3 ) سورة يس الآية 7 . ( 4 ) هؤلاء الكفار كلفوا أن يؤمنوا أولا فلم يؤمنوا ثم أخبرنا سبحانه وتعالى أنهم لا يؤمنون ، والإيمان بصحة أنهم لا يؤمنون غير حاصل حتى يصار إلى الجمع بين الضدين وإنما هم مستمرون في عدم إيمانهم حتى لو جاء النص بذكر عدم إيمانهم فهم لا يؤمنون أيضا به جحودا وعنادا . وأبو لهب خير مثال . فقد أخبر تعالى بحرف سين الاستقبال أنه « سيصلى نارا » أي أنه سيموت على الكفر . في حين أنه كان حيا حين تنزيل هذه الآيات . وربما كان بإمكانه أن يقول : إني آمنت باللّه ورسوله فيكذب بذلك هذا النص لكن ذلك عائد عليه بالنقض . إذ كيف يؤمن بصدقه وقد أخبر أنه سيموت على الكفر ويدخل ويصلى النار ؟ ومع ذلك فلم يحدث ذلك وبقي التاريخ شاهد صدق على أبي لهب وعلى مطابقة الآية للمستقبل . متحدية بذلك الاحتمالات الكثيرة الناشئة من التنبؤ بالمستقبل بالنسبة للبشر . ودالة على أن هذا القرآن إنما يتنزل من خالق الناس وخالق الزمان والمكان .